يتداول الكثير من الناس مصطلح الاقتصادي الإسلامي، ويكثر الجدل حوله بين مؤيد ومعارض، بين داعم للفكرة ورافض لها، في حين يتعاطف الكثيرون معها انطلاقا من رغبتهم في التأكد من حل معاملاتهم والحرص على البعد عما يحرم منها، وبعد أن خيمت ظلال الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد العالمي ظهرت على السطح الكثير من التساؤلات حول نجاعة النظام الاقتصادي القائم، وطرحت الكثير من التشكيك في قدرته على الاستمرار، مما فتح الباب واسعا للبحث عن البديل الممكن.
وفي ظل كل هذا يبرز الاقتصاد الإسلامي مقدما نموذجا قابلا للتطبيق، مجرب، يعد بأن يقدم الحل الأمثل والأنجح، يضع يده على مكمن الخلل في الاقتصاد العالمي الحالي، يقدم الحل مستندا لأحكام شرعية منزلة من عند الله تعالى، إلا أنه يسعى ليكون نظاما شاملا للجميع بغض النظر عن معتقادتهم كونه اقتصاد حقيقي له من الضوابط ما يمنعه من التمادي والوقوع في المآزق التي وقع فيها الاقتصاد العالمي، فما هو الاقتصاد الإسلامي، وما هي خصائصه، وما هو الحل الذي يقدمه.
ولمعرفة الاقتصاد الإسلامي لابد من التعريف بالاقتصاد بشكل عام، كمدخل لتعريف الاقتصاد الإسلامي:
أولا : تعريف علم الاقتصاد :
فكلمة اقتصاد في اللغة: من القصد وهو التوسط والاعتدال (المعجم الوسيط مادة قصد ) ومنه قوله تعالى{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}.(سورة لقمان الآية 19)، والقصد في الآية منزلة بين التفريط والإفراط ، هذا في اللغة أما في الاصطلاح فعرفه (آدم سمث ) : بأنه علم الثروة أو العلم الذي يختص بوسائل اغتناء الأمم ، أما (مارشال): فيعرفه بأنه العلم الذي يتعلق بدراسة تصرفات الإنسان المالية في حياته اليومية، ويعرفه (روبنز): بأنه العلم الذي يبحث في سلوك الفرد تجاه حاجاته المعتادة و وسائله المحدودة ذات الاستعمالات المتنوعة.
أي أنه العلم الذي يدرس كيفية تلبية الناس لحاجاتهم وإشباعهم لرغباتهم المختلفة .
وهذه التعاريف تحدد المشكلة التي يسعى علم الاقتصاد لحلها، وهي كيف يتصرف الإنسان بما يمتلك من موارد لكي يلبي حاجاته وهذه الكيفية هي التي تميز فكرا اقتصاديا ما عن غيره فنظرة الإسلام لكيفية الحل تختلف عن نظرة الرأسمالية والتي بدورها تختلف عن الاشتراكية.
ومن هذا المنطلق يظهر الاختلاف بين الاقتصاد إسلامي والاقتصاد الرأسمالي أو الاشتراكي.
ثانيا : تعريف الاقتصاد الإسلامي:
تتعدد التعريفات للاقتصاد الإسلامي إلا أنها جميعا تتفق في أنه حل المشكلة الاقتصادية انطلاقا من مبادئ الشريعة الإسلامية، فهو:
1- المذهب الذي تتجسد فيه الطريق الإسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية (اقتصادنا، الصدر، ص9).
2- العلم الذي يوجه الاقتصاد الإسلامي بنظمه وفقا لأصول الإسلام وسياسته الاقتصادية، ( المدخل الاقتصادي الإسلامي، الفنجري ج1 ص55).
3-هو علم وسائل استخدام الإنسان لما استخلف فيه لسد حاجات الفرد والمجتمع الدنيوية طبقا لمجتمع شرعي محدد (التعريف الاصطلاحي لعلم الاقتصاد الإسلامي ، إصدار الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية ).
4- الانتفاع المشروع بالموارد الطبيعية المنتجة وحسن استثمارها. (خصائص الاقتصاد الإسلامي ،محمود بابللي ص45).
فالاقتصاد الإسلامي هو: (انتفاع) أي الحصول على منفعة الشيء وهو الغاية من النشاط الاقتصادي، فيخرج منه أي نشاط فيه ضرر.
( مشروع ) ما تقره الشريعة الإسلامية ولا يعارضها، فهو اقتصاد موجه بالأوامر محدد بالنواهي التي جاءت بها الشرعية.
( الموارد الطبيعية ) هي كل ما أوجده الله تعالى من الثروات التي سخرها الله سبحانه وتعالى للإنسان.
( وحسن استثمارها) أي استخراجها والانتفاع بها وتحسينها وتطويرها بما يتناسب وافضل استخدام لها .
والتعاريف السابقة للاقتصاد الإسلامي تركز على أن معالجة المشكلة الاقتصادية إذا كان بطريق مشروع ووفق الأصول التي تقدمها الشريعة الإسلامية فهو اقتصاد إسلامي ، وبالتالي فإن كانت بوسائل غير مشروعة فهو اقتصاد غير إسلامي وهذا يعطي مجالا واسعا لمن يريد الاستفادة من أي وسيلة اقتصادية مادات لا تتعارض مع الشرع وهو المبدأ الذي يلخصه العلماء بقاعدة (الأصل في المعاملات الإباحة )، أو بمعنى آخر أن الإنسان حر في تعاملاته طالما أنه لم يتعدى ضوابط الشرع .
وهذا يعنى أن كل تعريف لعلم الاقتصاد يمكن أن يكون تعريفا للاقتصاد الإسلامي مادام مجردا عن أي منهج للحل مخالف للشريعة الإسلامية.
فالاقتصاد الإسلامي يطلق عليه أنه علم الثروة أو العلم الذي يتعلق بدراسة تصرفات الإنسان المالية في حياته اليومية أو العلم الذي يبحث في سلوك الفرد تجاه حاجاته المعتادة ووسائله المحدودة ذات الاستعمالات المتنوعة وغيرها من التعريفات التي لا تذكر كيفية العلاج ولا المنهج الذي يتبعه أصحابها للعلاج .
و لو تم تقيد تعريفات علم الاقتصاد السابقة بضابط عام وهو أن تكون وفق الشريعة الإسلامية ومبادئها لكان كل هذه التعريفات خاصة بالاقتصاد الإسلامي.
فعلم الاقتصاد بشكل عام - وبغض النظر عن المنهج المتبع- هو علم يسعى إلى تدبير شؤون الإنسان الاقتصادية، وإلى حسن استغلال مصادر الثروة بحيث تلبي حاجات الإنسان المختلفة، إلا أن هذا الاستغلال يواجه دائما بندرة مصادر الثروة، وعدم كفايتها في أغلب الأحيان، فيبرز عندها علم الاقتصاد ليعالج مسألة ندرة الموارد في مقابل احتياجات الإنسان اللامحدودة ، وهو ما يعبر عنه بالمشكلة الاقتصادية، وهو موضوع المقال القادم من هذه السلسلة بإذن الله.
في رعاية الله
منقول